محمد أبو زهرة

1348

زهرة التفاسير

بمعنى بعض ، أم اعتبرناها بيانية ، وإذا كانت بيانية فالأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان ؛ لأن الأمة هي في جملتها الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الداعية إلى الخير ، وأما على أن الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هي طائفة معينة من مجموع المؤمنين ، فإن النتيجة من حيث الفوز والفلاح لا يعود على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وحدهم ، بل الفائدة تعود عليهم أجمعين ، إذ إن ضرر الترك يعود عليهم أجمعين ، وإنه لا نجاة للأمة إلا إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، وتواصوا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقد ضرب النبي صلى اللّه عليه وسلم مثلا لترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بقوم يركبون سفينة ، ووجدوا واحدا يخرق السفينة ، فإن تركوه غرق وغرقوا معه ، وإن أخذوا على يده نجا ونجوا معه « 1 » . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ بعد أن بيّن سبحانه وجوب الاعتصام بحبل اللّه ، وأن الاعتصام به مدعاة الوحدة والقوة والاجتماع على الحق ، وبيّن طريقه وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، أخذ سبحانه وتعالى يشير إلى نتائج التفرق ناهيا عنه محذرا منه ، مبيّنا نتائجه في الدنيا والآخرة ، وأول نتائج التفرق هي العمى عن الحق مع وضوحه وقيام البيّنات عليه ، فقال سبحانه : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا نهى سبحانه وتعالى بهذا عن التفرق بأبلغ تعبير ، وألطف إشارة ، فقد كان النهى عن أن يكونوا كمن سبقوهم في التفرق ، وذلك نهى مع الدليل الموجب للنهي ، والغاية التي ترتبت على النهى عنه ، وذلك بالإشارة إلى ما كان ممن سبقوهم ؛ إذ تفرقوا أحزابا وشيعا كل حزب بما لديهم فرحون ، فتفرق اليهود طوائف ، وتفرق النصارى طوائف مثلهم ، وكل طائفة تكفّر الأخرى ، أو ترميها بالزيغ والضلال ، وقد ترتب على التفرق وتوزع أهوائهم ومنازعهم أن اختلفوا في إدراك الكتاب مع وضوحه ، ومع ما جاءهم من

--> ( 1 ) رواه البخاري : الشهادات - القرعة في المشكلات ( 2489 ) عن النّعمان بن بشير رضي اللّه عنهما .